السيد محسن الأمين

111

أعيان الشيعة ( الملاحق )

وإلى هذا التوسل أشار الامام مالك بقوله للمنصور ، ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله تعالى في الحديث الآتي ثم قال السمهودي : « 1 » قال السبكي وإذا جاز السؤال بالأعمال كما في حديث الغار الصحيح « 2 » وهي مخلوقة فالسؤال بالنبي ( ص ) أولى وفي العادة ان من له عند شخص قدر فتوسل به اليه في غيبته فإنه يجيب إكراما للمتوسل به وقد يكون ذكر المحبوب أو المعظم سببا للإجابة ولا فرق في هذا بين التعبير بالتوسل أو الاستغاثة أو التشفع أو التوجه ومعناه التوجه به في الحاجة وقد يتوسل بمن له جاه إلى من هو أعلى منه ( الحال الثاني ) التوسل به ( ص ) بعد خلقه في مدة حياته في الدنيا منه ما رواه جماعة منهم النسائي والترمذي في الدعوات من جامعه عن عثمان بن حنيف ان رجلا ضرير البصر أتى النبي ( ص ) فقال ادع الله لي ان يعافيني فقال ان شئت دعوت وان شئت صبرت فهو خير لك قال فادعه فأمره ان يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء ( اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد اني توجهت بك إلى ربي في حاجتي لتقضي لي اللهم شفعه في ) قال الترمذي حسن صحيح غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه وصححه البيهقي وزاد فقام وقد أبصر وفي رواية ففعل الرجل فبرأ انتهى ( وفي خلاصة الكلام ) رواه الترمذي والنسائي والبيهقي والطبراني بإسناد صحيح عن عثمان بن حنيف وهو صحابي مشهور انتهى ( قال ) وخرج هذا الحديث أيضا البخاري في تاريخه وابن ماجة والحاكم في المستدرك بإسناد صحيح وذكره الجلال السيوطي في الجامع الكبير والصغير انتهى وفي الرسالة الأولى من رسائل الهدية السنية « 3 » انه رواه الترمذي والحاكم وابن ماجة عن عمران بن حصين ثم أجاب عنه بأجوبة طويلة تشبه كلام المبرسمين لم نر فائدة في نقلها وقد فهم الصحابة من هذا الحديث العموم لحالتي الحياة والوفاة كما ستعرف في الحال الثالث ومر في الفصل الأول في الشفاعة حديث الأعرابي الذي قال للنبي ( ص ) فادع الله لنا فانا نستشفع بك على الله فاقره النبي ( ص ) على ذلك فهذا هو التوسل بالنبي ( ص ) الذي يعبر عنه تارة بالتوسل وأخرى بالاستشفاع وغير ذلك 111 ( ومن ) التوسل به ( ص ) في حياته ما ورد في قصة سواد بن قارب التي رواها الطبراني في الكبير كما في خلاصة الكلام ورواها غيره أيضا وفيها انه انشد النبي ( ص ) قصيدته التي يقول فيها : فاشهد ان الله لا رب غيره * وانك مأمون على كل غائب وانك أدنى المرسلين وسيلة * إلى الله يا ابن الأكرمين الأطائب فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل * وان كان فيما فيه شيب الذوائب وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة * بمغن فتيلا عن سواد بن قارب فلم ينكر عليه رسول الله ( ص ) قوله أدنى المرسلين وسيلة ولا قوله وكن لي شفيعا ( ومن ) التوسل به ( ص ) في حياته ما رواه البيهقي كما في خلاصة الكلام عن أنس ان أعرابيا جاء إلى النبي ( ص ) يستسقي به وأنشد أتيناك والعذراء يدمى لبانها * وقد شغلت أم الصبي عن الطفل إلى أن قال : وليس لنا الا إليك فرارنا * واين فرار الخلق الا إلى الرسل وهذا صريح في التوسل به ( ص ) ولم ينكره عليه بل قال أنس لما أنشده الأبيات قام يجر رداءه حتى رقى المنبر فخطب ودعا لهم فلم يزل يدعو حتى أمطرت السماء وهو على المنبر ( وروى ) البخاري في صحيحه انه ( ص ) قال لما أمطرت السماء لو كان أبو طالب حيا لقرت عيناه من ينشدنا قوله فقال علي يا رسول الله كأنك أردت قوله : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل فتهلل وجه النبي ( ص ) . واستسقاء الغمام بوجهه هو عين التوسل والتوجه به وهذا البيت من قصيدة مدح بها أبو طالب النبي ( ص ) فأمطرت السماء وذلك قبل البعث وهذا أيضا من أدلة التوسل بالأحياء . قال السمهودي ( الحال الثالث ) التوسل به ( ص ) بعد وفاته روى الطبراني في الكبير عن عثمان بن حنيف ان رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان ( رض ) في حاجة له وكان لا يلتفت اليه ولا ينظر في حاجته فلقي ابن حنيف فشكا اليه ذلك فقال له ابن حنيف أئت الميضاة فتوضأ ثم أئت المسجد فصل ركعتين ثم قل ( اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد ( ص ) نبي الرحمة يا محمد اني أتوجه بك إلى ربك ان تقضى حاجتي ) وتذكر حاجتك فانطلق الرجل فصنع ما قال ثم اتى باب عثمان فجاءه البواب حتى أخذ بيده فادخل على عثمان ( رض ) فأجلسه معه على الطنفسة فقال حاجتك فذكر حاجته وقضاها له ثم قال له ما ذكرت حاجتك حتى كانت الساعة وقال ما كانت لك من حاجة فاذكرها ثم خرج الرجل من عنده فلقي ابن حنيف فقال له جزاك الله خيرا ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في فقال ابن حنيف والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله ( ص ) وأتاه ضرير فشكا اليه ذهاب بصره فقال له النبي ( ص ) ان شئت دعوت أو تصبر فقال يا رسول الله انه ليس لي قائد وقد شق علي فقال له النبي ( ص ) ائت الميضاة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات قال ابن حنيف فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط ( قال ) ورواه البيهقي من طريقين بنحوه ( قال ) السبكي والاحتجاج من هذا الأثر

--> ( 1 ) ج 2 صفحة 419 . ( 2 ) الإشارة بذلك إلى ما رواه البخاري في صحيحه في الجزء الرابع منه في باب إجابة دعاء من بر والديه من كتاب الأدب عن النبي ( ص ) قال بينما ثلاثة نفر يتماشون أخذهم المطر فمالوا إلى غار في الجبل فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فأطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالا عملتموها صالحة فادعوا الله بها لعل الله يفرجها فقال أحدهم اللهم انه كان لي والدان شيخان كبيران ولي صبية صغار كنت أرعى عليهم فإذا رحت عليهم فحلبت بدأت بوالدي اسقيهما قبل ولدي وانه ناى به الشجر فما أتيت حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما فحلبت كما كنت أحلب فجئت بالحلاب فقمت عند رؤوسهما اكره ان أوقظهما من نومهما وأكره ان ابدأ بالصبية قبلهما والصبية يتضاغون عند قدمي فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر فان كنت تعلم اني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة نرى منها السماء ففرج الله لهم فرجة حتى يرون منها السماء وقال الثاني اللهم انه كانت لي ابنة عم أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء فطلبت إليها نفسها فأبت حتى آتيها بمائة دينار فسعيت حتى جمعت مائة دينار فلقيتها بها فلما قعدت بين رجليها قالت يا عبد الله اتق الله ولا تفتح الخاتم الا بحقه فقمت عنها اللهم فان كنت تعلم اني قد فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها ففرج لهم فرجة وقال الآخر اللهم إني كنت استأجرت أجيرا بفرق أرز فلما قضى عمله قال أعطني حقي فعرضت عليه حقه فتركه ورغب عنه فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرا وراعيها فجاءني فقال اتق الله ولا تظلمني وأعطني حقي فقلت اذهب إلى ذلك البقر وراعيها فقال اتق الله ولا تهزأ بي فقلت اني لا اهزأ بك فخذ ذلك البقر وراعيها فأخذه فانطلق فان كنت تعلم اني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج ما بقي ففرج الله عنهم انتهى . ( 3 ) صفحة 37 .